هلال بن محسن الصابي

384

الوزراء

وبعده : مهمّ . فظننت أن القاسم بنزقه وغيظه قد أنفذ إلى دارى قوما ووكّل بهم . فأسرعت إلى فضّها وعقلي زائل ، وروعى زائد ، فإذا فيها : صار إلى بابنا نسوة وطلبن من يكلّمهنّ ، وخرجت إليهن ، فدخلن الدّهليز وكشفت إحداهنّ عن وجهها فإذا هو فلان العامل فنحّى إزاره وخفّه ، وفعل غلام كان معه مثل فعله ، وجلسا في الدار ، وانصرف من كان معهما من النساء ، وأمرني بأن أطالعك بخبره وأقول لك عنه : قد سلّمت نفسي إليك جزاء لفعلك اليوم ، وثقة بوعدك وأخذك بيدي ومعاونتى على أمرى ، فافعل ما تراه . فحين قرأتها عادت نفسي واشتدّ سروري ، وتقوّض المجلس ، وقال لي القاسم : هات ما عندك في جواب قولي لك . قلت : نعم ، ما الأمر على ما وقع لك في بابى ، بل عندي من المعاونة والمعاضدة والخدمة والطاعة وبذل القدرة والاستطاعة واطّراح الدّيانة والأمانة في كلّ ما يخفّف عنك ، ويقرّب منك ، أكثر مما يجب لمثلك على مثلي ، ولكنك أيّها الوزير تستقصر الفعل ، وتريد زيادة على ما في الوسع ، وإن كان هذا العامل ينصف في مواقفته ومحاسبته أحضرته الساعة . فأسفر وجهه وقال : أنكرت أن يكون منك إلا ما تقتضيه الثقة بك ، والآن فقد رددت أمره إليك ورضيت بحكمك فيه ، فرح به عشيّا إلى حضرتي واعمل من ديوانك عملا لما يجب عليه . وقال لكتّاب الدواوين جميعا أن يعملوا مثل ذلك . وانصرفت إلى دارى ، وقلت للرجل كلّ ما سكنت به نفسه ، وأزلت معه إشفاقه ، وجعلته على ثقة من تكفّلى بأمره ، وأمرته بأن يروح معي . فلبس أحسن لباس وتطيّب أكثر طيب وجاء معي ، فقلت له : قد أسرفت في لباسك وطيبك . فقال لي : حالي على جملتها ، وما ألزمت ما شعّثها ، ولأن يرى الوزير منى مروءة يستدل بها على كثرة كلفى ومؤنى أولى من غير ذلك .